ساحِـل المـتـن - دارةُ مُحسن سْليم
تحتضنُ دارةُ مُحســــن سليـــم مؤسّســـاتٍ أيقونيّةً:
دار الجديد، أمـــــم للأبحاث، الهنغار والحديقة ـ حيث ضريح لقمان. هي صرحٌ يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشـــر يؤكّد أنّ لبنان الأكبر والأعـــدل والأحكم والأكرم متحقّق على أرض الواقع.

والد مُحسن، محمود لم يكن مزارعًا بل تاجرَ حبوب ووجيهًا استفتي يوم زارت لجنة كينغ كرين المنطقة ـ والإمبراطوريّة العثمانيّة على أفول ـ وسألته عن رأيه ومن سوف يختار، لو خيّر، لحكم لبنان . إختار محمود الاستقلال واستبعد الوصايتين البريطانيّة والفرنسيّة. أصرّ على تعليم أبنائه في مدارس الإرساليات كما أرسل بنتيه جميلة ولمياء إلى مدرسة قرآنيّة لتعلّم القراءة والكتابة. برع محسن ونال إجازة في الحقوق. دعم شقيقه الأصغر كريم حتّى أتمّ إجازته والتحق بسلك القضاء.
الداخل اليوم إلى حديقة الدارة، دارة آل سليم يهاجر من لبنان اليأس إلى لبنان النور. تقع الدارة في حارة ـ حريك، إحدى قرى ساحل المتن الجنوبيّ، التي أضحتْ في السنوات الأخيرة عاصمة الحزب الحاكم، حزب الحروب الأبديّة. في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت هذه المنطقةُ الواقعةُ على أبواب بيروت مزروعة بالبساتين وقد وفد إليها فلّاحون وحرفيّون من كسروان فسمّيت ساحل النصارى . أمّا سكّانها الشيعة فالأرجح أنّهم غادروا بلاد جبيل واستقرّوا على أبواب المدينة طلبًا للرزق. عاشتِ المنطقة على زراعة التوت وتربية دود القزّ و المواشي ثمّ إنّ مجاورتها للمدنيّة حثّ سكّانها على اعتناق العلم ـ باب الترقّي الأوّل .

مع مطالع الحرب الأهليّة ، هجّر أهلُ السلاح ـ الفلسطينيّون أيّامذاك ـ مسيحيي المنطقة . غادر آل الفرنساوي والدكّاش وواكد وعضيمي بيوتهم بحدائقها وانتقلواللعيش في مناطق أكثر أمنًا. خلّفوا كنائسهم ومقابرهم وذاكراتهم؛ باعوا بيوتهم بأسعار بخسة ورحلوا. أيّامذاك نهاية حرب السنتين هاجر محسن إلى باريس للعمل، أمّا الدارة فظلّت على حالها تشهد على ما أحدثته الحروب من انقلابات سكّانيّة. إستقرّ المهاجرون من البقاع والجنوب في الشيّاح والغبيري وبرج البراجنة ـ حيث قام أحد أكبر المخيّمات الفلسطينيّة ـ ثمّ الحدث ـ في مرحلة لاحقة ـ وصار ساحلُ المتن الجنوبي يُعرف بالضاحية مع ال التعريف.
يوم عاد لقمان بعد سنوات دراسته الباريسيّة إلى لبنان ـ ١٩٨٩(نقص) وأسّس دار الجديد ثمّ أمم للتوثيق والأبحاث، ولمّا كان طابق البيت الأساس، الطابق الأرضي قد غادره سكّانه(جميلة وحسن، عمّته وعمّه) إلى الحياة الأخرى، استقرّت أمم مؤسسة الذاكرة في هذا الجزء من الدارة وكان لها الفضل في إعادة تأليف المكان و بثّ روح جديدة فيه. من بيت سكنيّ مشرّع الأبواب استقبل أيّام نيابة محسن الناخبين وأهل القرار، تحوّل البيت ـ الحديقة إلى مركز أبحاث ومكتبة يقصدها الباحثون والمهتمون بسِير لبنان. على ميمنة الدارة قاعة أعيد ترميمها وافتتاحها هي الهنغار: هنغار الدارة وأمم وقد استقبلت معارض وعروض و أفلام ومؤتمرات. ( رابط هنغار أمم وأمم للأبحاث والتوثيق). للدارة الليبراليّة ـ الحرّة ـ التعدّديّة ـ المتسامحة الواقعة اليوم في الغيتو العقائديّ بعدٌ رمزي . بقاؤها شامخة بعد اغتيال لقمان دليل مقاومة: مقاومة القتل واللون اليتيم. سيعنى هذا الباب بسرد سير أهلِ المنطقة ـ بحثًا عن ساحل المتن الجنوبي، بحثًا عن الضاحية ـ وكيف تبدّل وجهها العمراني و سيعتني أيضًا بسير أهل الدارة سلمى ومحسن ـ وذلك للمحافظة على قيم التسامح والتنوع التي دافعا ولقمان وكلّ منيعنيه هذا الصرح عنها .

لمياء المبيّض بساط
لبنانيّة مقتنعة بضرورة قيام دولة علمانيّة حديثة وعادلة.
ترأس منذ العام ٢٠٠٠ معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي المرتبط بوزارة الماليّة.
نائبة رئيس لجنة الأمم المتّحدة للخدمة العامّة التي تهدف إلى تعزيز الإدارة العامّة: إصلاحها، تحديثها والنهوض بها.
كتابها ليلى صدر عام ٢٠٢٢ عن دار الجديد.
أمم للتوثيق والأبحاث

الهنغار




