سِـيَر لقـمان سليم

لقمان سليم وطنيّ وقائدُ رأي. فدى لبنان الحرّ النبيل بدمه. أديب من الطراز الأوّل. عربيّته من معدِن استثنائي. أفنى حياته مدافعًا عن الحقّ والقضايا العادلة من أجل بلادٍ تستحقّ النور.

«وَهَبْ أنّ أخي جَادَل في السِياسَةِ وناظَر وقال إنّكُـــــــــــم في ضَلالٍ فليس لكم أن تُميتوه بسبب ذلك.»

• أحمد فارس الشدياق

لقمان الحكيم

ولد لقمان سليم يوم ١٧ تمّوز ١٩٦٢، يومذاك كان والدهُ المحامي المرموق مُحسن سليم نائبًا عن مَدِينَة بيروت (الدائرةالثانية/ المقعد الشيعيّ). اِختار له والدهُ هذا الاسمَ القُرآنيَّ ـ سورة لقمان ـ بمحض الصدفة حاسمًا ما تداوله هو وزوجته سلمى مرشاق من أسماء. والدة لقمان تضع في مستشفى الجامعة الأميركيّة ببيروت مولودها الثالث وقرينها في السيّارة، جوار مرافقه هنري آدم، يقرأ جريدةَ لسان الحال، تلفته حكمة اليوم وهي للقمان الحكيم فيقرّر بينه وبين نفسه: «إنْ رُزقنا سلمى وأنا صبيًّا ثانيًا ينضمّ إلى هادي ورشا سنسمّيه لقمان.» وهكذا كان، أبصر لقمان النور.

لقمان و"العودة" ـ الحديقة

ترعرع لقمان في حديقة دارة آل سليم. أحبّ ترابَ«العودة» كما كانت تُسمّى هذه الأرضُ الزراعيّة الخيّرة ببئرِ مائها التي حفرها الجدّ مطالعَ القرن العشرين، ونباتاتها وأشجارها وناسِها الطيّبين. أمضى جلَّ وقته مع أترابه : سامي ـ ابن عمّه ـ وحسن سليم و أمين ناصر أولاد الجيران. رفضَ اسمَ الدّلع، لولو،  الذي أطلقته عليهِ جدّته لوالده حَسْنى الحاجّ حين لم تتمكّن من لفظ قاف لقمان. بعزمٍ رفضَ اسم الدّلال قائلاً وهو في الخامسة من عمره: «لن أردّ بعد اليوم إن لم أنادَ باسميَ الصعب.» بعد عامين تحضيريين (الروضتيْن) في مدرسة الكرمال سان جوزيف (فردان) انضمّ إلى شقيقه في مدرسة الفرير فرن الشبّاك. أيّامذاك لم يتعلّق لقمان بالقراءة والكتابة . يعود من المدرسة  الثقيلة الظلّ للقاء حيواناته والنباتات. حلُمَ أن يصير مهندسًا زراعيًّا وبنّاءً. لعبته المفضّلة: الليغو. كتبه المفضّلة: وي وي و بابار الفيل. طفلٌ قليل الكلام كثيرُ التأمّل متمرّد على النظام، يمضي ساعاتٍ وهو يُهندسُ مكعبّات أحلامه.

طلائعُ الحرب الرّصاصةُ الأولى

عام ١٩٧٣ واكب والدته صباحًا لشراءالخُبز من فرنٍ مقابل البيت، التوتّر على أشدّه بين الجيش والفلسطينيين. أصابتهُ رصاصةٌ طائشة في ساقه. إنّها رصاصته الأولى... أيّام حرب السنتين التحقَ لقمان مجدّدًا بمدرسة  الطفولة الكرمال سان جوزيف، تعرّف إلى أستاذين تركا عظيمَ الأثرِ في حياته: عصام العبد الله الشاعر وأستاذ اللغة العربيّة وابن الجنوب وميّ دعيبِس أستاذة اللغة الفرنسيّة القريبة من الحزب الشيوعيّ اللبناني. انكبّ على القراءة والكتابة،مُجادلاً في السّياسة والأدب. نشرت له جريدة النهار مقاله الأوّل (كان يومها غِرًّا) وقّعه باسم مستعار: مفضال حيدر وهو قراءة في كتاب عبد الغني الملّاح المتنبيّ يستردّ أباه.

يوم الأحد ١٣ نيسان ١٩٧٥

هو وشقيقته في مسرح بعلبك (القنطاري) حضرا مسرحيّة للناشئة غير متنبّهين أن المدينة مشتعلة إثرَ مقتلة عين الرمّانة. أمضى حرب السنتين بين المدرسة والدارة العائليّة في حارة حريك. حرب السنتين الدمويّة بقصفها المدفعيّ و بشطر بيروت إلى شرقيّة وغربيّة وبحرب الأسواق وبالقتل على الهويّة شكّلت نقطة تحوّل في حياة العائلة.

العام ١٩٧٩

بعد احتراق مكتبه في بيروت قرّر والد لقمان البحث عن مصدر رزق في باريس حيث استقرّ أعزّ أصدقائه ريمون إدّه.

العام ١٩٨٠

سافر لقمان للمرّة الأولى إلى فرنسا لاستكشاف إمكانيّة الدراسة في إحدى جامعاتها.

العام ١٩٨٢

عاش لقمان أحداث هذا العام المحوريّ في بيروت. شهد الاجتياح الإسرائيليّ أمّا مجزرة صبرا وشاتيلا فقد وقعت على بعد أميال معدودة من دارته العائليّة . لحظات مفصليّة قال عنها بعد سنوات: "هي لحظةٌ مشهديّة عشتها هنا في المنزل والحديقة. شعرت بها بكلّ حواسّي.  عام ١٩٨٢ شاهدتُ نهاية العالم وإذ خرج الواحد منّا حيًّا من هذه الحرب، يكون قد ولد مرّة ثانية. يومها انسحقت الأفكار وكلّ التزام قديم. "(ويعني بالالتزام القديم كلّ ما كان يجمعه بشباب اليسار الفلسطينيّ واللبنانيّ). مذ ذاك ولقمان نصيرُ الضحايا لا الجلّادين.

نهاية ١٩٨٢

غادر لبنان قبل أيّام من اغتيال بشير الجميّل بعد مشاهدته  "نهايةالعالم " إلى باريس حيث التحق بجامعة باريس ٤. درس الفلسفة وانكبّ بحماس على سبر أغوار الألمانيّة واليونانيّة القديمة واللاتينيّة. عنوانه الباريسيّ   ٩ مكرّر، شارع مزيار على بعد خطوات من ساحة سان سولبيس.تعرّف إلى عبد القادر الجنّابي، الشاعرالمتمرّد، عَمِلَ معه على إصدار الرغبة الإباحيّة وفراديس. توثّقت علاقته بوضّاح شرارة المنظّر اللبناني (الذي كان أوّل من كتب عن دولة حزب الله). قرأ، تابع دروسهُ, كتبَ وتفقّه. أمضى ساعات في المكتبات العامّة. سافر إلى ألمانيا أكثر من مرّة لإتقان الألمانيّة. والحرب تضع أوزارها عاد إلى بيت العائلة وفي قلبه مشروع عزيز: دار نشر تشبههه وتشبه أحلامه العملاقة .

دار الجديد ١٩٨٩

أسّس دار الجديد التي انطلقت من عمارة الاتّحاد الوطني، الصنائع .نشر أوّل كتاب من سلسلة  بشهادة الأصل: نواحي فان غوغ لرينيه شار. (ترجمة وضّاح شرارة).

Dar Al Jadeed Logo

١٩٩٠ – ٢٠٠٠

أيلول ( سبتمبر ) ١٩٩٠  نجا ومن معه في السيّارة من الموت إثر حادث مروّع على الطريق الساحليّ الشماليّ السريع. اِزدهرت الدار وصارت بعد أقلّ من عامين مؤسّسة نشريّة مرموقة. اِنضمّت شقيقته رشا الأمير إلى المشروع الواعد الساعي إلى تشييد الجسور بين لبنان والعالم العربي والفارسيّ والتركي ولغات الكوكب.  الشيخ عبد الله العلايلي، محمود درويش، الشعراء الشباب، حازم صاغيّة، خليل رامز سركيس وغيرهم من الكتّاب إضافة إلى ترجمات ومعارض: عود الريحاني إلى العربيّة ، عبد الله العلايلي ذلك المجهول.
رابط دار الجديد وكلّ ما انتجته من ١٩٩٠ إلى ٢٠٠٠

العام ٢٠٠١

أسّس أمم للتوثيق والأبحاث مع مونيكا بورغمان التي أضحت زوجته. أمم مؤسّسة بحثيّة هدفها الأساس قراءة الواقع بكلّ تشعبّاته مستندةً إلى الذاكرة.  قام المشروع على فكرة التوثيق أي جمع وتبويب و تنظيم كلّ ما تيسّر من محفوظات لافتهام واقع مرير غارق في حروبٍ لم تلتئم بعد. أنجزت المؤسّسة مجموعةً من المشاريع المهمّة منها:  ولم يعودوا وهو قاعدة بيانات مفصّلة عن مَن غيّبتهم الحرب. وحين أُنجز العمل تجسّد معرِضًا أقيم في اليونسكو ببيروت في العاشرِ من نيسانَ عامَ ٢٠٠٨ ثمَّ انتقل إلى كلٍّ من طرابلسَ وصيدا
ومرجعيونَ وديرِ القمرِ وبعلَبَكَّ. لترجمةِ الأبحاثِ معارض ولقاءات دائمة تمّ افتتاح الهنغار وهو قاعة متعدّدة الاستعمالات تجاور الدارة والحديقة.  هذه المساحة الرحبة والحرّة  استقبلتْ معارضَ وعروضًا سينمائيّةً ومؤتمراتٍ أثمرت كتبًا أشرف عليها وحرّر جلّها  نصوصها لقمان. نذكر منها : بحثًا عن الضاحية، استديو بعلبك، الباص إن حكى، المحكمة العسكريّة ، قانون العفو العام  إضافة إلى تجهيزات لرسّامين ومصوّرين من مختلف بقاع الأرض
عام ٢٠٠٤ أخرج مع مونيكا بورغمان و هيرمان تيسين مَقاتِل وهو وثائقيّ يسائل قتلةصبرا وشاتيلا عن شنيعتهم .

Umam logo

٢٠٠٥ – ٢٠١٠

أسّس جمعيّة هيّا بنا الهادفة إلى دعم نساء المناطق الطرفيّة عبر حثّهم على إتقان اللغة الإنكليزيّة وتقنيّات العصر . نشطت الجمعيّةفي كافّة المناطق اللبنانيّة وأخذ المشروع بعدًا وطنيًا .  عن هيّا بنا المشروع الاجتماعيّ التنمويّ انبثقت هيئة تتابع بدقّة مآلات لبنان السياسيّة و تحلُم بلبنان الأكبر. أصدرت هيّا بنا مجموعة من الكراريس ونشرةً دوريّة إلكترونيّة: شيعة ـ وتش. (مراجعة موقع هيّا بنا وموقع شيعةـ وتش). زادت إطلالات لقمان التلفزيونيّة وصارت المحطّاتُ قاطبة والإذاعات العربيّة والعالميّة تدعوه للمشاركة في برامجها السياسيّة والحواريّة. صار قائد رأي لا يطمح إلى أيّ منصب في دولة ينخرها الفساد ويروّعها السلاح.

٢٠١٠ – ٢٠١٧

أخرج مع شريكته مونيكا بورغمان فيلم تدمر وهو وثائقيّ بحلّة درامية سرد حياة مجموعة من السجناء اللبنانيين الذين عادوا من سجون البعث. عُرض الفيلمُ في المهرجانات وعبر محطّات التلفزة ونال ما يستحقّه من اهتمام . بعد فيلم تدمر تفرّع عن أمم جمعيّة عنوانها منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنيّة هدفهاالأساس جمع ما تيسّر من بيانات وكتابات حول الحالة السجنيّة العربيّة. أصدرالمنتدى حتّى اليوم مجموعة من الكتيّبات حول التجارب السجنيّة قام لقمان بتحريرها. رابط منتدى الشؤون السجنيّة

٣ شباط ٢٠٢١

بعدما غادرَ منزل أصدقائهِ الواقعَ في نيحا الجنوب في منطقةِ اليونيفل حوالي السّاعة السّابعة والنّصف مساءً اعترضَ القتلةُ سيّارته وأردوه بستِّ رصاصاتٍ استقرّت عن عمدٍ في رأسه حيث الذكاء والذاكرة والخيال. ترك المرتكبون الجثّة في منطقة العدّوسيّة كي يؤخّروا ما استطاعوا انتشار الخبر. فجر الرابع من شباط(فبراير) ٢٠٢١ ضجّ العالم بخبر الاغتيال.